يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
316
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
كما يوعك رجلان منكم ، وقال له بعض أصحابه : ذلك بأن لك أجرك مرّتين ؟ قال : أجل ، أو كما قال عليه السلام . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال ، فكان أبو بكر يقول إذا أخذته الحمى : كل امرئ مصبح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال يقول : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة * وهل يبدون لي شامة وطفيل شامة وطفيل : جبلان بينهما وبين مكة عشرون ميلا . ويروى : وقفيل بالقاف ، وهذه كلها مواضع بمكة وما يليها ، قاله البكري . وقال الخطابي : كنت أحسبهما جبلين حتى وقفت عليهما فإذا هما عينان من ماء ، ذكر ذلك في كتاب الأعلام . قلت : ويحتمل أن يكونا عينين في جبلين ، ولا يكون خلاف بين الخبرين . والإذخر : حشيش بمكة معروف . والجليل : الثمام . وسيأتي فيه الكلام . ومجنة : موضع . وقع في النوادر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ؛ لما سمع بلالا ينشد هذا البيت : حننت يا ابن السوداء . قلت : انظر حنين بلال إلى تلك الجبال ، ولم تزل الشعراء على قديم الزمن تذكر الحنين إلى الوطن ، وقد تسلسل ذلك الأمر وانجرّ إلى هلم جرا ، هذا ابن ميادة يقول : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بوادي الخزامى حيث ربينني أهلي بلاد بها نيطت عليّ تمائمي * وقطعن عني حين أدركني عقلي وقال آخر : بلاد بها حل الشباب تمائمي * وأوّل أرض مسّ جسدي ترابها وكان عامر بن فهيرة يقول : إني رأيت الموت قبل ذوقه * إن الجبان حتفه من فوقه قالت عائشة : فجئت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته فقال : اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة وأشدّ ، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدّها وانقل حماها فاجعلها بالجحفة ، فأجاب اللّه دعاءه . قال عليه الصلاة والسلام : رأيت مرة امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة ، فأوّلتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة وهي الجحفة . خرّجه البخاري . وقال أبو طالب في كتابه قوت القلوب : ما جاءت الحمى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : اذهبي إلى أهل قباء . وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى : رِجالٌ